حق الوطن … بين الرضا والغضب والفجر ...يقلم د. ابراهيم حسن الغزاوى

 

 تخرج الدكتور إبراهيم من كلية الشرطة بالقاهرة بتقدير امتياز عام 1985م ، حصل على الدكتوراه القانون الدولي الخاص (جامعة عين شمس 2007) .. عمل كضابط بوزارة الداخلية حتى عام 2012 ، وتفرغ بعدها للعمل الأكاديمي والمجتمعي التخصصي في مجال حقوق الإنسان وحل المنازعات والأمن والانتقال الديموقراطيي، ويعمل حاليا كخبير دولي في العديد من مؤسسات الخبرة العالمية، في مجاال تطوير مؤسسات سيادة القانون، وإدارة مراحل الانتقال المؤسسي والمجتمعي، إضافة لعمله أكاديميا كمحاضر زائر لحقوق الإنسان وإعادة تهيئة مؤسسات الدولة عقب الاضطرابات والنزاعات بالعديد من المؤسسات التعليمية والأكاديمية، والمفوضية العليا لشئون اللاجئين.

 

هناك فارق كبير بين التعامل مع الشأن الشخصي والشأن الوطني… فالشأن الشخصي له سماته التي تجعله مرتبطا بشكل شبه مطلق بخيارات ذاتية، تنبع من الشخص نفسه، وكثيرا ما تكون منبتة الصلة بغيره من الناس، ولكنها حتى وإن كانت متصلة بالغير، فالأمر في كنهه شخصي، أي يخضع لرأي الشخص وهواه .. كما إن الشخصي من الأمور كثيرا ما يكون مؤثرا على الشخص نفسه، ولا يتعدى تأثيره للآخرين ، حتى وإن تعدى أثره صاحبه، فهو لا يتجاوز تأثيره أفرادا معدودة… ربما الأسرة أو العائلة أو الأصدقاء أو دائرة المقربين من الشخص نفسه …

 

 

 

أما الشأن الوطني فالأمر مختلف أيما اختلاف… فما يعد وطنيا هو شأن يمس الكافة من أبناء الوطن..فإن كان خيرا كان خيره عاما ، وإن غير ذلك أضير بسببه المجتمع بكامله أو الجزء الأكبر منه… والشأن الوطني ، وهو على ما هو عليه من الجسامة والخطر … ربما يتعلق ويرتبط ويتأثر بتصرف الفرد كفرد أو الجماعة من الأفراد.. وهنا يتحمل ذلك الفرد ، أو تلك الجماعة مسئولية رشد تصرفه أو تصرفاتهم ، لأنها و ببساطة شديدة سيكون لها تأثير على المجتمع بكامله..وهذا يفرض على الفرد والجماعة، أيا كانت توجهاتهم ، أن يزنوا بميزان الذهب تصرفاتهم، حتى إن تعلق الأمر بحق لصيق لهم ، فكثيرا ما يتصل بالحق الفردي أو الشخصي شأنا مجتمعيا ذات خطر عظيم… وهذا محور حديثنا اليوم …

 

 

 

فالشأن المجتمعي العام ربما يتصل بالحقوق الشخصية، وهنا فالمواطنة الحقيقية المرتبطة بالتدين على حقه يفرضان أن يجري الفرد أو تجري الجماعة في الشأن الشخصي، ما لا يجلب الضرر على الشأن المجتمعي أو الوطني… والمثال الأوضح على ذلك هو مسار الأحداث في مصر الغالية في سنوات ما بعد الثورة الأولى في 25 يناير والثورة الثانية في 30 يونيو..

 

 

 

وأنا أكاد أجزم صادقا وقانعا بعقيدتي في هذا الأمر أن الثورة الثانية في 30 يونيو 2013 كانت نتيجة مباشرة للخلط العابث غير المسئول بين ما هو شخصي أو ذاتي وما هو وطني و مجتمعي…

 

 

 

نعم ..لقد حدث صخب سياسي وتخبط وعدم رؤية خلال الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير ، حتى تولى فصيل معين إدارة الأمر في البلاد… وخلال عام من التطاحن مع القوى الأخرى، حدث أن تاهت الخطوط بين ما هو شخصي وما هو وطني… وغلب صالح الفرد – متمثلا في جماعة الحكم – على صالح المجتمع العام في حكما منفتحا على المجتمع بكامله ، وليس على فصيل أو تيار بعينه… فكان منطقيا ألا يستمر ذلك طويلا , وكانت ثورة 30 يونيو لاستعادة البلاد للشعب بكامله .

 

 

 

والواقع أن الذين تصدوا للحكم في مصر قد واجهوا ظروفا عصيبة ، ليس أقلها شأنا مشكلات متوارثة وهموما مجتمعية كثيرة، تنوء بحملها أية جماعة، مهما كانت قوتها.. إضافة إلى تواجد قوى سياسية مهترئة ، لم تجرب من قبل مناخ العمل الحر في الشأن السياسي ، فطفقوا يلاطم بعضهم بعضا، بدلا من أن يجتمعوا في تآلفات متناغمة، يمكنها أن تشكل قوة حقيقية في الشارع المصري… وانتهي تطاحنهم في انتخابات الرئاسة الأولى بوصول اثنين للسباق النهائي ، كلاهما غير مرغوب من الرأي العام بشكل واسع، وهي خاتمة خرقاء لتجربة ديمقراطية وليدة.. وكانت نتيجة الانتخابات النهائية لصالح الدكتور محمد مرسي، مرشح جماعة الإخوان ..

 

 

 

ولكن الرياح لم تأت بما تشتهي سفن الجماعة، ويبدوا أنهم أسقط في أيديهم ، وهم يرون المشاهد السياسية كثيرة التعقيد، كما يبدوا أيضا أنهم لم يستوعبوا النصر والمسئولية التي جعلت رئاسة مصر، الدولة الأعرق والأهم والأكثر تأثيرا في محيطها وإقليمها ، في أيديهم … فكانوا في إدارتهم للأمور مدعاة للنقد المتواصل، ونجحوا في زمن وجيز في تعميق الخلاف في المجتمع، ولم ينجحوا في معالجة أقل المشكلات شأنا، لقد أدارت جماعة الإخوان المسلمون مصر بنفس منطق إدارتها لتابعي الجماعة .. فكان سقوط حكمهم أمرا حتميا َ..المسألة كانت مجرد وقت حتى يتحقق ذلك… نعم لقد سقط الإخوان في فخ ضيق الأفق ، وأمعنوا في ظلم أنفسهم لأنفسهم بإضفاء صعوبات تلو صعوبات في طريقهم، بمعاداتهم الصريحة لمؤسسات السيادة والعدالة في الدولة، في ذات الوقت الذي ابتعدوا بمنهجهم في الحكم عن تحقيق أي تآلف شعبي أو توافق مجتمعي، وهم بعد مازالوا في سنة أولى حكم… فكان سقوطهم مدويا مثلما كان صعودهم لسدة الحكم أيضاَ..

 

 

 

وهنا اختلط لديهم الشأن الشخصي مع الشأن المجتمعي… فالقوة السياسية من الطبيعي أن تعمل في مجال الشأن العام أو الوطني، وأن تسعى لاسترضاء الجموع بسياسات توافقية مجمعه، وليس بالإقصاء والتهميش… أما الجماعة الخاصة، فلها شأنها الخاص، المرتبط بفكرها وعقيدتها وهدفها، والذي ربما يخالف في مساره ما هو متعلق بصالح المجتمع ككل…

 

 

 

وقد حدث الاختلاط بشكل فاضح، في أمرين، كلاهما يوحي بما أذهل الكثيرين، الأمر الأول أنهم لم يستشعروا نبض جموع واسعة من المصريين، تنامى غضبها ضد سياستهم … فتغافلوا وتجاهلوا مطالب قوية وعارمة بانتخابات رئاسية مبكرة، ربما لو كانوا وافقوا عليها لشكلت لهم منطلقا جديدا لتجديد الثقة بهم، إذا ما وعوا الدرس، و غيروا من أنفسهم ونمط حكمهم، ليكونوا أقرب إلى الشعب الذي يحكمونه في مصر الدولة والوطن… أما الأمر الثاني فكان من ردود فعلهم للثورة الثانية في 30 يونيو 2013.. وكأنهم قد سلبوا حقا شخصيا ورثوه عن أجدادهم .. متغافلين عن حقيقة أن المكاسب الديموقراطية ليست مستديمة بطبيعتها، وأنها لا ترتب حقوقا أبدية، أو تعطي ضمانات بالاستمرارية ، بل هي رهن بالأداء ، ورضا الجموع عن القوة السياسية في الحكم… صحيح أن مدة الحكم كانت أربع سنوات … لكن الواقع وحقيقة ما آلت إليه الأمور في مصر بعد الثورة، كانت تقتضي من الإخوان وغيرهم من القوى السياسة ، أن يدركوا حقيقة أن الشعب المصري لم يعد لديه صبر على حكامه، إذا ما شعر أنهم يحيدون به عن الجادة أو ما يرتضيه بشكل عام وشامل…

 

 

 

وما يهمني هنا ليس سردا تاريخيا لأحداث يعرفها الكافة، ولكني أردت أن ألقي الضوء على ثلاث سقطات بالغة في تأثيرها على جماعة الإخوان المسلمين، أولها سقوط حكم الإخوان في مصر خلال هذا العام في فخ المواجهة الحادة مع كل القوى السياسية الأخرى، فتشتت قوتها، وتفرق عنهم اقرب حلفائهم ، ولم يبقى معهم إلا جماعات إسلامية مبهمة ومريبة في توجهاتها، وهذا ما اعتبر خصما حقيقيا من رصيدهم من الاعتدال والتنوير… وبدلا من أن تتغير الجماعة في سياستها، وتأخذ مسارا تكتيكيا سياسيا ، بالعودة لصفوف القوى السياسية بالمجتمع، واستعدادها لجولة انتخابات تالية، وهم لهم ما لهم من القدرة والتأثير على الجموع في البلاد.. بدلا من كل ذلك إذا بالجماعة تسير سيرا طائشا نحو مواجهة متنامية مع مؤسسات السيادة في الدولة، الجيش والشرطة والعدل… وأدى تشبثهم الشديد بما اعتبروه حقا شخصيا في حكم مصر ، إلى الإضرار الجسيم بهم وبالمجتمع المصري في آن واحد، فاختلط الشأن الشخصي مع الشأن الوطني اختلاطا خطيرا ومكلفا، وكان عنصر الدين فيه ظاهرا ، بل سافرا، بشكل مرتبك ومبهم على الكثيرين.. فتحول حكم الجماعة من محاولة منهم – على حد قولهم ابتداء قبل الانتخابات – لتقديم منهاج إسلامي في الحكم والإدارة يتبنى التنوير والحداثة والانفتاح على الآخر، إلى بوابة لجحيم المواجهة مع تيارات عقائدية متطرفة، يبدو أن الجماعة قد أعدتها لتكون ظهيرا عنيفا لها حين تريد المواجهة … وعلى الرغم من المآخذ الكثيرة على حكم الرئيس الأسبق مبارك على مدار ثلاثين عاما، إلا أنه لم يؤد إلى نفس هذا القدر من الضرر والتفسخ والخلاف داخل المجتمع المصري الذي أحدثته الجماعة في حكمها لمصر على مدار عام واحد يتيم.

 

 

وبالقطع لم يكن هناك في مصر عاقل يتمنى أن يخفق من يحكم البلاد بهذا النحو الذي كان، ولكن الحكمة كانت في قبول واقع الحال، والبناء على ما تبقى لهم من رصيد في قلوب وعقول المصريين ، وأن يدركوا الخيط الفاصل بين الشخصي والوطني من الأمور بعد ثورة 30 يونيو وما تلاها من إعلان 3 يوليو … ولكنهم أيضا وقعوا في السقطة الثانية، وهي فخ اعتبار الشأن الوطني شأنا شخصيا، يتعلق به حقهم كجماعة ، ونسوا أو تناسوا أن البلاد والشعوب لا تورث ولا تمتلك.. إنها الحكمة في العمل العام لخدمة المجتمع، فالسلطة ليست رفاهية ، ولكنها تكليف لخدمة الشعب، وهي الحكمة التي تبقي العلاقة قوية ومتزنة بين القوة السياسية والمجتمع، قوة الاجتهاد قدر الإمكان لخدمة المجتمع، وإن أخفقت ، قدرة التصالح السريع مع المجتمع، والعودة للعمل السياسي الهادف متنافسة بشرف مع غيرها من باقي القوى الأخرى … وقدرتها على إعلاء الشأن الوطني في الحفاظ على تماسك الوطن ومصلحته الشاملة ، وتفضيله على الشأن الشخصي أو الخاص، المتمثل في مصلحة الجماعة في الاحتفاظ بكرسي السلطة لأطول فترة ممكنة… أما السقوط الثالث، وهو في تقديري أكثرها إيلاما .. لكونه ينال من منطق وعدالة وإيجابية التأثير الديني الإسلامي على فكر وسلوك الجماعة، حيث انجرفت الجماعة بتلقائية ويسر لتلاقٍ مريب لمصالحها مع مصالح القوى الإرهابية في إحداث أنشطة مستهجنة بغرض ترهيب المجتمع، من خلال التفجيرات المتتالية ، ومتزامنة مع اغتيالات متتالية لعناصر من الشرطة و القوات المسلحة ، لا ناقة لها ولا جمل في القرار السياسي ، ليشكل هذا المنحى جنوحا سافرا عن الجادة ، واستعمالا لمفردات غريبة عن القوى السياسية المعتادة، لا تستخدمها إلا قوى التطرف، في تعبير يعكس فجرا في الخصومة، وليس خلافا في منطلقات العمل السياسي … وأخيرا ولأننا لا ينبغي أن نتناسى أن الجماعة هي قطاع من المجتمع ، فإنه من الحكمة ألا ينتابنا اليأس من مجهودات تهدف لإعادة ضبط العلاقة بين ما هو شخصي وما هو ديني وما هو وطني في الأمور التي تربطها بالمجتمع والدولة… ربما يحالفنا التوفيق، ويحدث مراجعة واجبة لكافة التصرفات السابقة، من الجماعة وتابعيها، للعودة إلى الصف الوطني، والبناء من جديد … فالشعب دوما هو السيد ، والجماعة يجب أن تتوخى الرضا الشعبي عنها، إذا أرادت أن يكون لها شأن في يوم ما في المستقبل في أروقة العمل السياسي ، وأول موجبات هذا الرضا هو عودة الجماعة وتابعيها إلى حضن الوطن الأم، وهي عودة واجبة عليهم، فإن عادوا فعلى المجتمع أن يقبلهم، فهم أبناؤه ، وهي خطوة أراها تأخرت كثيرا من جماعة أساسها الدعوة الدينية السمحة، بهدف نبذ الفرقة والخلاف، واللجوء للحوار بالفكر وليس بالرصاص ، لمصلحة البلاد والعباد والدين

 



التصنيف : مقالاتحملات وطنية وعمل مجتمعى

اترك تعليقا :

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

كل الحقوق محفوظة ل اخبار مصر الوطن

استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل